حسن الأمين
49
مستدركات أعيان الشيعة
وغيرهم من الاعلام . وقد ظن بعض الباحثين ان جابرا يقصد بكلمة « جعفر » ، في كتبه ، جعفرا البرمكي ، ولكن هذه الظاهرة من الإجلال البالغ التي يبديها حيال « جعفر » ، دليل واضح على بطلان هذا الظن ، وعلى أن المقصود دائما جعفر الصادق ، ذلك مضافا إلى أن علاقة جابر بجعفر بن يحيى البرمكي ، لم تكن علاقة رجل وضيع المنزلة بمن هو أرفع منه ، بل علاقة الند للند ، لأن جابرا كان ذا مكانة ممتازة في بلاط الرشيد . منزلته العلمية تؤكد مختلف المراجع القديمة والحديثة ان جابرا اشتغل بالفلسفة والمنطق والطب والرصد والرياضيات والكيمياء والميكانيك والفلك وسائر فروع المعرفة الإنسانية في عصره . غير أن اسمه اشتهر بارتباطه بالعلوم الطبيعية ، وعلم الكيمياء بالأخص ، حتى صح لأحد الباحثين العرب المعاصرين أن يطلق عليه لقب « إمام العلوم الطبيعية عند العرب » . والمعروف ان جابرا ترك مئات الكتب من تاليفه ، معظمها في العلوم الطبيعية ، ولم يصلنا منها سوى قليل لا يزيد عن ثمانين رسالة وكتابا ، فقد ضاع أكثر كتبه ، وبقي بعضها مخطوطات تحتفظ بها عدة مكتبات في أوروبة ، وترجم بعضها إلى اللاتينية . وكان من اشتهاره بمعالجة الكيمياء أن صار اسمه لا يذكر إلا مقترنا باسم هذا العلم ، سواء في بلدان العرب أم في بلدان الغرب ، حتى أن جامعات أوروبة كانت حتى القرن الخامس عشر تكاد لا تعرف مراجع ترس في علم الكيمياء إلا كتب جابر بن حيان . ويقرنه « برتيلو » ( Berthelot ) بارسطو ، إذ يقول : « لجابر بن حيان في الكيمياء ، ما لأرسطو في المنطق » ، ويرى « برتيلو » ان جميع الباحثين العرب في هذا العلم نقلوا عن جابر واعتمدوا على تاليفه وبحوثه وإن « إليه يعود الفضل في حمل عصبة من التلامذة المجتهدين على متابعة البحوث عدة قرون ، فمهدوا بذلك لعصر العلم الحديث » . ويعتبره « سارطون » من أعظم الذين برزوا في ميدان العلم في القرون الوسطى . وبالرغم من أن جابرا قد وضع كتبا ورسائل عديدة في الطب ( 500 كتاب ) والفلسفة ( 300 كتاب ) وعلم الحيل ( الميكانيك ) ( 1300 مؤلف ) وفي الرصد والفلك والرياضيات والوعظ والزهد وغيرها - بالرغم من ذلك لم تنل مؤلفاته في هذه الأنواع من المعرفة عناية الباحثين ، بل أنصبت كل عنايتهم على معارفه وكشوفه وبحوثه الكيميائية . الكيميائي العربي الأول يرى الباحثون ان جابرا هو أول كيميائي عربي ، وأول من اشتهر علم الكيمياء عنه ، وأول من يستحق لقب « الكيميائي » من المسلمين . ويبدو أن شهرته بهذا العلم أكسبته منزلة اجتماعية رفيعة حتى كان له من ذلك أن نقم عليه ناس لحسد ، ونقم عليه الخليفة الرشيد لعلاقته بالبرامكة ، فاضطهد واضطر للاختفاء متنقلا في البلدان خوفا من الاضطهاد ، وبالغ بأمره بعض المؤرخين غير المحققين فوصفوه حينا بأنه « ملك العرب » وحينا بأنه « ملك العجم » ، وحينا بأنه « ملك الهند » . وقال عنه القفطي أنه « كان متقدما في العلوم الطبيعية ، بارعا منها في صناعة الكيمياء ، وله فيها تأليف كثيرة ومصنفات مشهورة » ، حتى أن الرازي على جلالة شانه حين يذكره في كتبه بالكيمياء يقول عنه : « قال أستاذنا أبو موسى جابر بن حيان » . وبالرغم من هذه الشهادات المستفيضة بالدلالة على مكانته العلمية ومعرفة الأقدمين بقيمة أعماله في حقل الكيمياء وسائر العلوم الطبيعية ، وجد في القديم من يبخسه حقه وفضله قائلا فيه : هذا الذي بمقاله غر الأوائل والأواخر ما أنت إلا كاسر كذب الذي سماك « جابر » كما وجد في العصر الحديث من مؤرخي العلم الغربيين من فعل مثل ذلك . . فهذا « برتلو » بالذات ، لم يستطع أن يعترف لجابر وللعرب بفضل السبق إلى تلك النظريات الكيميائية التي شهدت أوروبة بقيمتها وبنسبتها إلى هذا العالم العربي العظيم ، فزعم أن القسم الغني بالدسم العلمي من أعمال جابر هو لمؤلف مجهول غيره ألفه باللاتينية في النصف الثاني من القرن 13 م وانتحل اسم « جابر » لاشتهار هذا الاسم ، ثم زعم أن القسم الآخر الخالي من الدسم العلمي هو ، فعلا ، لجابر بن حيان ! . وضرب « برتلو » كتاب « الخالص » مثلا على ذلك ، لأن هذا الكتاب مترجم إلى اللاتينية ، فقال - أي « برتلو » - إن دارسة هذا الكتاب تدل على أنه لا ينتسب إلى الأصل عربي ، لا في منهجه العلمي ، ولا في الحقائق الواردة فيه ، ولا في مفرداته اللغوية ، ولا في الأشخاص الذين يرجع إليهم في الفقرات المقتبسة . وقد سبق أن رددنا على هذا الشك المزعوم غير المستند إلى منطق علمي ، بل كل سنده الشك في قدرة العرب على إنتاج ما انتجه جابر بن حيان في عصره ! . ذلك بالرغم من تلك الشهادة الكبيرة التي شهدها « برتلو » نفسه لجابر ، ( وذكرناها سابقا ) حين قال أن « لجابر في الكيمياء كما لأرسطو في المنطق » . وإن من ماثر جابر في الكيمياء : كونه أول من استحضر « حامض الكبريتيك » بتقطيره من الشبه ، وسماه « زيت الزاج » ، وكان لعمله هذا فضل كبير في تقدم الكيمياء والصناعة . واستحضر جابر أيضا « حامض النتريك » ، وهو أول من كشف « الصودا الكاوية » ، وأول من استحضر « ماء الذهب » ، وأول من أدخل طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحل بواسطة الحامض ، وأول من لاحظ ما يحدث من راسب « كلوريد الفضة » عند إضافة محلول ملح الطعام إلى محلول نترات الفضة ، وينسب إليه استحضار مركبات أخرى ، مثل : كربونات البوتاسيوم ، وكربونات الصوديوم ، وقد استعمل ثاني أكسيد المنغنيز في صنع الزجاج ، ودرس خصائص الزئبق ومركباته واستحضرها ، واستعمل بعضها ، فيما بعد ، في تحضير الأوكسيجن . . ومعلوم أن جميع هذه المركبات ذات شان كبير في عالم الصناعة ، فبعضها يستعمل في صنع المفرقعات والأصبغة ، وبعضها يستعمل في السماد الصناعي والصابون والحرير الصناعي . ويعد جابر بن حيان أول من وضع نظرية عامة لتركيب المعادن مفادها أن المعادن جميعها مؤلفة من عنصرين أساسيين ، هما الكبريت والزئبق ، وقد وضعت هذه النظرية قيد العمل طوال عدة قرون . وقد أدخل في الكيمياء ما أطلق عليه اسم « علم الموازين » وألف في هذا العلم كتبا معروفة ، ويعني بذلك معادلة ما في المعادن من الطبائع ، فقد « جعل لكل من الطبائع ميزانا ، ولكل جسد من الأجساد موازين خاصة بطبائعه » . ويرى « هولميارد » ان أهم كتب جابر في الكيمياء كتاب « الخواص الكبير » ، وفي المقالة الأولى من هذا الكتاب يقول جابر أن جملة ما كتبه في الخواص واحد وسبعون كتابا « منها سبعون كتابا ترسم الخواص ، ومنها كتاب واحد يعرف بخواص الخواص ، وهو أشرف هذه الكتب » . لقد اقتضتنا ضرورة التعريف العام بحقيقة جابر وحياته ونشاطه الثقافي الواسع الأفق ، أن نطيل المقدمة السابقة ، وعذرنا في الإطالة اننا نكتب هذا الفصل للتعريف أكثر منه للبحث من أجل البحث بذاته . وبعد ، فإننا ننتقل الآن إلى تحديد المنهج العلمي الذي اتبعه جابر في بحوثه وكشوفه وتجاربه ، وتحديد قيمة هذا المنهج بالقياس إلى المناهج